
انقطاع الكهرباء في السودان… معاناة أكبر من مجرد “برمجة أحمال”
بلا فلتر__امنية التهامي
لم تعد أزمة الكهرباء في السودان مجرد “أعطال فنية” أو “برمجة أحمال” كما تحاول الشركة السودانية لتوزيع الكهرباء أن تروج في بياناتها الباهتة. ما يحدث اليوم هو انهيار كامل لمنظومة تمثل شريان الحياة للمواطن، لكنه أصبح شرياناً يخنق الناس يوميا.
في بلد يشتعل حرّاً ومعاناة، أصبحت الكهرباء حلماً مؤقتاً يزور البيوت لساعات قليلة ثم يختفي وكأنه منحة لا حق. المواطن السوداني اليوم لا يعيش أزمة كهرباء فقط، بل يعيش حالة إذلال جماعي ممنهج: نوم متقطع، مياه مقطوعة، مرضى يختنقون، أدوية تتلف، أعمال تنهار، وطلاب يدرسون على ضوء الهواتف.
والأخطر من القطوعات نفسها هو هذا الصمت المستفز من الشركة.
لا شفافية، لا وضوح، لا برمجة محترمة، لا اعتذار، ولا حتى إحساس بمعاناة الناس.
كأن المواطن لا يستحق تفسيرا، ولا حتى معلومة صادقة.
أي مؤسسة محترمة في العالم عندما تفشل في تقديم خدمتها الأساسية، تخرج للناس بالحقيقة كاملة: ما المشكلة؟ما حجم العجز؟متى ينتهي؟
ومن المسؤول؟
أما عندنا، فكل شيء يدار بالغموض، وكأن الكهرباء شأن خاص لا يتعلق بملايين البشر الذين يدفعون الفواتير ويتحملون الجحيم اليومي.
ثم تأتي الكارثة الأكبر: غياب العدالة.
هناك أحياء تغرق في الظلام معظم اليوم، بينما مناطق أخرى تنعم بالكهرباء لساعات طويلة دون تفسير مقنع.
هذا التفاوت خلق شعوراً خطيراً لدى الناس بأن الخدمة لم تعد تُدار بالقانون، بل بالمحاباة والعلاقات والنفوذ.
وحين يشعر المواطن أن الظلم أصبح جزءاً من توزيع الكهرباء نفسها، فاعلموا أن الثقة قد ماتت بالكامل.
لا أحد يطلب المستحيل.
الناس لا تريد معجزات، تريد احتراماً لعقولها وحقوقها.
تريد مسؤولاً يخرج بشجاعة ويقول الحقيقة بدلاً من البيانات المعلبة التي لا تُطفئ حرارة بيت ولا تُشغّل مروحة لطفل مريض.
إن استمرار هذا الوضع دون محاسبة أو إصلاح حقيقي يعني أن الشركة لم تعد جزءاً من الحل، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من الأزمة.
ولذلك فإن المطلوب الآن ليس مجرد وعود جديدة، بل إجراءات واضحة وفورية:
إعلان واضح دوري عن أسباب القطوعات وخطط المعالجة.
عدالة كاملة في توزيع الإمداد الكهربائي بلا استثناءات.
محاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره أو فساده أو تضليله للمواطنين.
احترام الناس عبر مخاطبتهم بصدق .
لأن المواطن السوداني تعب…
تعب من الانتظار، وتعب من الأعذار، وتعب من مؤسسات لا تشعر به إلا عند تحصيل الفواتير.